الغزالي

8

إحياء علوم الدين

مقسوم . وإنما تتعين تلك الأبواب لمن عصى الله تعالى بهذه الأعضاء ، فيوصيها بحفظها عن معاصيها أما العين ، فيحفظها عن النظر إلى وجه من ليس له بمحرم ، أو إلى عورة مسلم ، أو النظر إلى مسلم بعين الاحتقار ، بل عن كل فضول مستغنى عنه ، فإن الله تعالى يسأل عبده عن فضول النظر ، كما يسأله عن فضول الكلام . ثم إذا صرفها عن هذا لم تقنع به حتى يشغلها بما فيه تجارتها وربحها ، وهو ما خلقت له من النظر إلى عجائب صنع الله بعين الاعتبار والنظر إلى أعمال الخير للاقتداء ، والنظر في كتاب الله وسنة رسوله ، ومطالعة كتب الحكمة للاتعاظ والاستفادة . وهكذا ينبغي أن يفصل الأمر عليها في عضو عضو ، لا سيما اللسان والبطن أما اللسان فلأنه منطلق بالطبع ، ولا مئونة عليه في الحركة ، وجنايته عظيمة بالغيبة ، والكذب ، والنميمة ، وتزكية النفس ، ومذمة الخلق والأطعمة ، واللعن ، والدعاء على الأعداء والمماراة في الكلام ، وغير ذلك مما ذكرناه في كتاب آفات اللسان ، فهو بصدد ذلك كله مع أنه خلق للذكر ، والتذكير ، وتكرار العلم ، والتعليم ، وإرشاد عباد الله إلى طريق الله وإصلاح ذات البين ، وسائر خيراته . فليشترط على نفسه أن لا يحرك اللسان طول النهار إلا في الذكر ، فنطق المؤمن ذكر ، ونظره عبرة ، وصمته فكرة ، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وأما البطن فيكلفه ترك الشره ، وتقليل الأكل من الحلال ، واجتناب الشبهات ، ويمنعه من الشهوات ، ويقتصر على قدر الضرورة ، ويشرط على نفسه أنها إن خالفت شيئا من ذلك عاقبها بالمنع عن شهوات البطن ، ليفوتها أكثر مما نالته بشهواتها وهكذا يشرط عليها في جميع الأعضاء ، واستقصاء ذلك يطول ، ولا تخفى معاصي الأعضاء وطاعاتها . ثم يستأنف وصيتها في وظائف الطاعات التي تتكرر عليه في اليوم والليلة ، ثم في النوافل التي يقدر عليها ، ويقدر على الاستكثار منها ، ويرتب لها تفصيلها ، وكيفيتها ، وكيفية الاستعداد لها بأسبابها . وهذه شروط يفتقر إليها في كل يوم ، ولكن إذا تعوّد الإنسان شرط ذلك على نفسه أياما ، وطاوعته نفسه في الوفاء بجميعها ، استغنى عن المشارطة فيها . وإن أطاع في بعضها بقيت الحاجة إلى تجديد المشارطة فيما بقي ولكن لا يخلو كل يوم عن مهم جديد ، وواقعة حادثة لها حكم جديد . ولله عليه في ذلك حق ، ويكثر هذا على من يشتغل بشيء من أعمال الدنيا من ولاية ، أو تجارة ، أو تدريس ، إذ فلما يخلو يوم